فصل: خطبة في شكر نعمة الإسلام بالعمل به

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين **


خطبة في كمال الإسلام ويسره وسهولته

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق أرسله بدين الإسلام دين الرحمة ودين العدالة ودين العبادة والمعاملة فهدى الله به أقواماً وأضل عن طريقه آخرين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً ‏.‏

أما بعد‏:‏ فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ‏.‏ إن خير الحديث كتاب الله لأنه يهدي للتي هي أقوم، وخير الهدي هدي محمد، صلى الله عليه وسلم، لأنه الطريق المستقيم الموصل إلى الله وإلى سعادة الدنيا والآخرة‏.‏

أيها المسلمون‏:‏ إن الدين عند الله الإسلام ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه إن الإسلام هو الاستسلام لله ظاهراً وباطناً استسلاماً تاماً لا تواني فيه ولا كسل ولا انحراف ولا خطل إنه طاعة لله تعالى سراً وعلناً بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه وما أيسر ذلك على من يسره الله عليه‏.‏

أيها المسلمون‏:‏ إن الشيطان بعداوته لكم يفتر عزائمكم

عن القيام بدينكم ويدعوكم إلى الكسل والتواني عن أوامره ويغريكم ويحثكم على مخالفته ومعصيته إنه يصور لكم الدين بأنه حبس للحرية وتضييق على الإنسان وإرهاق له وتفويت لمصالحه يصوره لكم بأبشع صورة لتنفروا عنه، يصوره كذلك ليهلككم كما هلك، ‏{‏إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير‏}‏ إن الشيطان يصوره لكم بما يلقيه في صدوركم وبما يلقيه أولياؤه من شياطين الإنس ‏.‏

أيها المسلمون‏:‏ إن الدين الإسلامي بريء من كل ما يصفه به أعداؤه إنه دين الحق والعدالة والحرية الحقة إنه دين اليسر والسهولة ودين السعادة والتقدم استعرضوا أصول شرائعه لتقيسوا عليها فروعه‏.‏ إن الإسلام مبني على خمسة أركان‏:‏ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً ‏.‏ وهذه الأركان كلها سهلة ويسيرة وكلها إصلاح وتهذيب‏.‏

فشهادة أن لا إله إلا الله توحيد وتجريد للقلب من التأله والعبادة لأحد سوى الله وحصر العبادة لله رب العالمين الذي خلقك فسواك وغذاك بنعمه ورباك فأنت بالنسبة إلى ربك عبد من عبيده وبالنسبة إلى غيره حر وإن من الحماقة بمكان أن تنطلق من عبودية ربك التي هي الحق وتقيد نفسك بعبودية

هواك أو بعبودية المال أو عبودية فلان وفلان ‏.‏ إن كثيراً من الناس إذا اشتغل بطاعة الله فكأنما يصابر الجمر لا يصبر عليها إلا قليلاً مع قلق في نفسه وانشغال في قلبه وإذا اشتغل بدنياه أقبل عليها بقلبه وفكره واطمأن إليها واستراح بها ولها فهو كامل العبودية لدنياه وناقص العبودية لمولاه‏.‏

وأما شهادة أن محمداً رسول الله، فهي تجريد المتابعة له دون غيره من المخلوقين فهو رسول ربك الذي كلف بالرسالة إليك وكلفت باتباعها فعنها يسأل هو بلاغاً وتسأل أنت عنها اتباعاً ‏{‏فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين‏}‏ إن كل أحد من الناس سوف يسير في عمله على خطة مرسومة ومنهج متبع فإما أن يكون طريق النبيين أو طريق الضالين المكذبين فماذا بعد الحق إلا الضلال فانظر أي الطريقين أهدى وأقوم‏.‏

أما الصلاة فما أيسرها وأسهلها وما أنفعها للقلب والبدن والفرد والمجتمع فهي صلة بينك وبين ربك لا تأتيها إلا وأنت متطهر في ظاهرك وباطنك فتقوم بين يدي الله خاشعاً خاضعاً متقرباً إليه بما شرعه لك فيها من ذكر وقراءة وركوع وسجود وقيام وقعود تسأله لدنياك وآخرتك فهي تنمي الدين وتحط الذنوب وتلحق بالصالحين ويستعان بها على أمور الدين والدنيا وتنهى عن الفحشاء والمنكر ‏{‏واستعينوا بالصبر والصلاة‏}‏ ‏{‏وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر‏}‏ ‏.‏

أما الزكاة فهي جزء بسيط تدفعه من مالك لسد حاجة

إخوانك وإصلاح مجتمعك ففيها تزكية المال وتطهير النفس من البخل الذميم وتطهير القلب من الذنوب والآثام فالصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ‏{‏خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها‏}‏ ‏.‏ إن كثيراً من الناس يهون عليهم أن ينفقوا المال الكثير في أهواء نفوسهم مما يضرهم أولا فائدة لهم منه لكنه عند الصدقات الواجبة أو المتطوع بها لا يهون عليه أن ينفق درهماً واحداً كأنه لم يثق بوعد الله بالخلف العاجل والثواب الآجل ولم يصدق بالوعيد الشديد لمن منع الزكاة‏.‏

أما الصيام فهو شهر واحد في السنة شهر يذكرك بأعظم نعمة من الله عليك شهر نزول القرآن شهر رمضان تمتنع فيه في النهار فقط عن شهوات نفسك من طعام وشراب ونكاح تقرباً إلى ربك وتقديماً لمرضاته على ما تشتهيه مع ما فيه من الفوائد الدينية والجسمية والاجتماعية‏.‏

أما الحج فهو قصد بيت الله لإقامة شعائره وتعظيم حرماته لا يجب في العمر إلا مرة واحدة على المستطيع تحط به الذنوب والخطايا والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة مع ما فيه من تعارف المسلمين في أقطار الدنيا واجتماعهم وتعليمهم وإرشادهم‏.‏

أيها المسلمون‏:‏ هذه أصول الإسلام وأركانه فبالله عليكم هل فيها من صعوبة وهل فيها من خلل أو نقص أفليست هي شريعة الله وحكمه ‏{‏ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون‏}‏ ‏.‏

إن الإسلام مفخرة لأهله وعز وكرامة في الدنيا والآخرة وإن به التقدم الحسي والمعنوي ومن شك في ذلك فلينظر في تاريخ صدر الإسلام حينما كان المسلمون مسلمين ظاهراً وباطناً ولم تغرهم الدنيا ولم يغرهم بالله الغرور‏.‏

فاتقوا الله عباد الله وتمسكوا بدينكم ظاهراً وباطناً سراً وعلناً قبل أن تسلبوه وتضلوا عنه ضلالاً بعيداً واحذروا أن يصيبكم قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ‏.‏ فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين‏}‏ اللهم ثبتنا على الإسلام والتوحيد واختم لنا بخاتمة السعادة والخير يارب العالمين‏.‏

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين ‏.‏ ‏.‏ الخ‏.‏

خطبة في حماية الإسلام للدين والنفس والعرض والمال

الحمد لله القوي العظيم الرؤوف الرحيم يقضي بالحق ويحكم بالعدل وهو الحكيم العليم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو بها النجاة من العذاب الأليم والفوز بالنعيم المقيم وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث بالحق الداعي إلى صراط مستقيم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم في هديهم القويم وسلم تسليماً ‏.‏

أما بعد‏:‏ أيها الناس اتقوا الله سبحانه واشكروه على ما أنعم به من حماية الدين والنفس والمال والعرض ‏.‏ حمى لكم الدين بما أقام عليه من الآيات البينات على صحته لتأخذوا به عن بصيرة وبرهان، وحمى لكم الدين بما رتب على القيام به من الثواب لترغبوا فيه وتستقيموا عليه، وحمى لكم الدين بما رتب على مخالفته من العقاب حتى لا تخرجوا عنه، وحمى لكم الدين بما كتب عليكم من الجهاد بالمال والنفس لتحموه وتدافعوا عنه‏.‏

ولقد حمى الله النفوس وأكد تحريمها وحرمتها في كتابه وسنة رسوله ليستقيم المجتمع ويحل فيه الأمن فقد قرن الله الاعتداء على النفس بالاعتداء على الدين فقرن القتل بالشرك قال تعالى‏:‏ ‏{‏ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق‏}‏ ‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون‏}‏ ‏.‏

وقال النبي، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏اجتنبوا السبع الموبقات ‏:‏ الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق‏"‏ وذكر تمام الحديث وقال‏:‏ ‏"‏ سباب المسلم فسوق وقتاله كفر‏"‏ ‏.‏ وقال‏:‏ ‏"‏لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً ‏"‏ رواه البخاري‏.‏

وقال‏:‏ ‏"‏لزوال الدنيا - يعني كلها - أهون عند الله من قتل رجل مسلم‏"‏ ‏.‏ ومن أجل ذلك جعل الله في القتل المتعمد عقوبات غليظة وقصاصاً ثابتاً فقال تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً‏}‏ جزاء مروع نار وغضب ولعنة وعذاب عظيم ‏.‏ وقال النبي، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار‏"‏ ومن أجل حماية النفس شرع الله القصاص فقال سبحانه‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى‏}‏ ‏.‏ هذا في هذه الأمة وقال في بني إسرائيل‏:‏ ‏{‏وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس‏}‏ وقال النبي، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ‏:‏ الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق

للجماعة‏"‏ وخفف هذه الفريضة بأن جعل لأولياء المقتول الخيرة بين القصاص والدية والعفو إذا كان خيراً فقال سبحانه‏:‏ ‏{‏فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة‏}‏ وقال النبي، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يفدي أو يقاد‏"‏ وأبطل الله ما يتوهمه ذو الوهم الفاسد من أن القصاص زيادة في القتل فقال سبحانه‏:‏ ‏{‏ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون‏}‏ ‏.‏

ولقد حمى الله الأموال بما أحاطها من العقوبات في الاعتداء عليها فقال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون‏}‏ وأوجب الله قطع يد السارق حماية للأموال فقال تعالى‏:‏ ‏{‏والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم‏}‏ ‏.‏ إن قطع يد السارق هو الحكمة البالغة والمصلحة الظاهرة فيد السارق تقطع بربع دينار ولو اعتدى شخص على يد إنسان فقطعها كانت ديتها خمسمائة دينار رعاية لحماية المال ولحماية النفس‏.‏

أما حماية الأعراض فقد أتقنها الإسلام من كل ناحية سواء من الناحية الخلقية أو الاجتماعية فمن الناحية الخلقية أوجب الله الحد على من هتك الأعراض بالزنى وذلك برجمه بالحجارة حتى يموت إذا كان محصناً وهو المتزوج سواء كان

رجلاً أم امرأة‏.‏ وأما غير المحصن فيجلد مئة جلدة وينفى عن البلد سنة كاملة رجلاً كان أم امرأة ‏.‏ وأما اللواط وهو إتيان ذكر الذكر ففيه القتل بكل حال إذا كان بالغاً والتعزير البليغ لغير البالغ، قال النبي، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به‏"‏ وأوجب الله الحد على من قذف محصناً بالزنى فقال سبحانه‏:‏ ‏{‏والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة‏}‏ فمن قال لشخص عفيف ‏:‏ يا زاني فعليه ثمانون جلدة إلا أن يأتي بأربعة شهداء أو يقر المقذوف بذلك‏.‏

وأما حماية الأعراض من الناحية الاجتماعية فقد حرم الله بين المسلمين السخرية واللمز والتنابز بالألقاب السيئة والغيبة وهي ذكرك أخاك بما يكره في غيبته ‏.‏ ذكر الله ذلك في سورة الحجرات في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن‏}‏ إلى آخر الآية التي بعدها‏.‏

فاحمدوا عباد الله ربكم على ما أنعم من حماية دينكم وأنفسكم وأموالكم وأعراضكم واسألوه الثبات على الدين وجاهدوا أنفسكم على ذلك واعبدوه وتوكلوا عليه واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ‏.‏

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه الغفور الرحيم‏.‏

خطبة في شكر نعمة الإسلام بالعمل به

الحمد لله الغني الجواد الكريم الرؤوف بالعباد من علينا بنعم لا يحصى لها تعداد ويسر لنا من فضله وجوده حتى عم الرخاء الحاضر والباد ورزقنا أمناً واستقراراً حتى أصبح الواحد يسير آمناً لا يخاف إلا الله في جميع البلاد ‏.‏ أحمده وأشكره وكلما شكر زاد وأشهد أن لا إله إلا هو واسع الجود فما لما عنده نفاد وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الشاكرين على النعم وأعظمهم صبراً على ما لا يراد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم التناد وسلم تسليماً ‏.‏

أما بعد‏:‏ أيها الناس اتقوا ربكم واشكروه فلقد تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ‏.‏ أيها الناس أما ترون نعم الله تترى عليكم في كل وقت وحين وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ‏.‏ أما ترون نعمته عليكم بدين الإسلام حيث أنشأكم في بيئة مسلمة تقرأ كتاب الله تعالى وتسمع من سنة رسوله أنشأكم في بيئة تقام بها الصلوات ويدعى إليها بالأذان بأعلى الأصوات أنشأكم في بلاد لا ترى - ولله الحمد - فيها كنيسة ولا صومعة وإنما هي مسجد ومدرسة وصار الإسلام كأنما هو طبيعة من الطبائع وغريزة من الغرائز لا يشق عليكم نيله وإدراكه وهذه والله أكبر النعم فاشكروها أيها المسلمون حق شكرها اشكروها بالتمسك بها وارعوها حق

رعايتها فلئن لم تفعلوا لتسلبن عنكم هذه النعمة ويحل بدلها شعار الكفار والبدع والضلال لئن لم تشكروها بالتمسك بها لتفتحن في بلادكم مدارس النصارى وكنائس الرهبان إن العاقل ليقيس ويفهم فكما أن نعمة الأمن إذا لم تشكر أبدل بها بالخوف ونعمة الرزق إذا لم تشكر أبدل بها الجوع كذلك نعمة الدين إذا لم تشكر أبدل بها الكفر ‏{‏وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم‏}‏ ‏.‏ إن الإسلام أعز ممن ينتمي إليه فإذا لم يجد أناساً يعرفون قدر نعمة الله عليهم به ويعضون عليه بالنواجذ ويرونه غنيمة ادخرها الله لهم فسوف يرتحل عنهم إلى غيرهم وسيجعل الله على هذه الأرض طائفة على الحق حتى يأذن الله بخراب العالم قال النبي، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله‏"‏ ‏.‏

أيها الناس أما ترون إلى ما أنعم الله به عليكم من نعمة الأمن والاستقرار يسافر الرجل وحده من أقصى المملكة إلى أقصاها غير خائف، مستقراً غير قلق معه الأموال الكثيرة لا يخاف عليها ولا على نفسه من أجلها ‏.‏ أما ترون إلى ما أنعم الله به عليكم من الأرزاق من قوت وفاكهة وملابس متنوعة ووسائل راحة من جميع الوجوه ‏.‏ أما ترون إلى ما أنعم الله به عليكم هذا العام من الأمطار المباركة التي أحيا الله بها الأرض بعد موتها وأنبتت من كل زوج بهيج‏.‏

فاشكروا الله أيها المسلمون على هذه النعم اشكروه حق شكره شكراً حقيقياً ‏.‏ فإن الشكر اعتراف العبد بقلبه بنعمة الله وأن يؤمن إيماناً بأن هذه النعم محض فضل من الله تعالى ليس له على الله منة فيها وإنما المنة لله تعالى فيها عليه ‏.‏ لا يقل كما قال قارون‏:‏ ‏{‏ إنما أوتيته على علم عندي‏}‏ ‏.‏ ولا يقل كما يقول الكافر فيما حكى الله عنه‏:‏ ‏{‏ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي‏}‏ أي إنني كفء له ومستحقه أنكر أن يكون من فضل الله عليه‏.‏

وإن الشكر أيها المسلمون ثناء على الله بنعمته عليك وحمد له عليها وتحدث بها على سبيل الثناء على الله لا على سبيل الافتخار بها على عباد الله ‏{‏ وأما بنعمة ربك فحدث‏}‏ وإن الشكر عمل بطاعة الله فعل لأوامره واجتناب لما نهى عنه ‏.‏ فمتى قام العبد بهذه الأركان الثلاثة فقد شكر الله شكراً حقيقياً ‏.‏ أما إذا كان يعتقد أن ما أصابه من نعم الله فهو مستحق له ولا منة لله عليه فيه فهذا كافر بنعمة الله معجب بعمله مغرور بنفسه فمن هو حتى لا يكون لله عليه منة‏.‏ وإذا كان لا يثني على الله بنعمته فكلما سئل عن حاله صار يتشكى ويتألم ويجحد ما أنعم الله به عليه ورأى أنه قد ظلم حيث لم يحصل له مثل فلان وفلان فهذا أيضاً كافر بنعمة الله عليه محتقر لها وما يدريه لعله لو حصل له ما حصل لفلان لكان سبباً لأشره وبطره وإعراضه عن الله‏.‏ وإذا كان لا يستعين بنعم الله على طاعته بل كانت نعم

الله عليه سبباً لأشره وبطره وإهماله لواجبات دينه ووقوعه في المعاصي فإنه قد بدل نعمة الله عليه كفراً ويوشك أن يسلبه الله هذه النعمة أو يغدقها عليه استدراجاً من حيث لا يعلم فلا يزال على ذلك حتى يخرج من نعيمه في الدنيا إلى عذابه في الآخرة ‏.‏

أيها المسلمون‏:‏ إن من وفق للشكر فقد حصل له نعيم الدنيا والآخرة يعيش حميداً قائماً بأمر الله ويموت سعيداً خالداً في ثواب الله ومن كفر أوشك أن يحل عليه عذاب الله ‏{‏ وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون‏}‏ ‏.‏

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك اللهم أصلح ولاة أمورنا وأصلح رعيتنا ووفقنا لما تحب وترضى إنك جواد كريم اللهم صل وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين‏.‏

خطبة في تحقيق التوحيد وتخليصه من شوائب الشرك

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً‏.‏

أما بعد‏:‏ أيها الناس اتقوا الله تعالى واشكروه على ما من به عليكم أن بعث فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياته ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ‏.‏ رسولاً أخرجكم الله به من الظلمات إلى النور من ظلمات الجهل إلى نور العلم ومن ظلمات الشرك والكفر إلى نور التوحيد والإيمان ومن ظلمات الجور والإساءة إلى نور العدل والإحسان ومن ظلمات الفوضى الفكرية والاجتماعية إلى نور الاستقامة في الهدف والسلوك ومن ظلمات القلق النفسي وضيق الصدر إلى نور الطمأنينة وانشراح الصدر ‏{‏ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه‏}‏ ‏{‏كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد‏.‏ الله الذي له ما في السموات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد‏}‏ ‏.‏

لقد بعث الله نبيه محمداً، صلى الله عليه وسلم والناس يتخبطون في الجهالات ففتح لهم أبواب العلم‏:‏ أبواب العلم في

معرفة الله تعالى وما يستحقه من الأسماء والصفات وما له من الأفعال والحقوق وأبواب العلم في معرفة المخلوقات في المبدأ والمنتهى والحساب والجزاء قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين‏.‏ ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ‏.‏ ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ‏.‏ ثم إنكم بعد ذلك لميتون ‏.‏ ثم إنكم يوم القيامة تبعثون‏}‏ ‏.‏ وفتح الله لعباده بما بعث به نبيه محمداً، صلى الله عليه وسلم أبواب العلم في عبادة الله تعالى والسير إليه وأبواب العلم في السعي في مناكب الأرض وابتغاء الرزق بوجه حلال فما من شيء يحتاج الناس لمعرفته من أمور الدين والدنيا إلا بين لهم ما يحتاجون إليه فيه حتى صاروا على طريقة بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ولا يتيه فيها إلا أعمى القلب ‏.‏ لقد بعث الله تعالى محمداً، صلى الله عليه وسلم والناس منغمسون في الشرك في شتى أنواعه فمنهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد المسيح ابن مريم، ومنهم من يعبد الأشجار، ومنهم من يعبد الأحجار، حتى كان الواحد منهم إذا سافر ونزل أرضاً أخذ منها أربعة أحجار فيضع ثلاثة منها تحت القدر وينصب الرابع إلهاً يعبده فأنقذهم الله برسوله من هذه الهوة الساحقة والسفه البالغ من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن فحقق التوحيد لرب العالمين تحقيقاً بالغاً وذلك بأن تكون العبادة لله وحده يتحقق فيها

الإخلاص لله بالقصد والمحبة والتعظيم فيكون العبد مخلصاً لله في قصده مخلصاً لله في محبته مخلصاً لله في تعظيمه مخلصاً لله تعالى في ظاهره وباطنه لا يبتغي بعبادته إلا وجه الله تعالى والوصول إلى دار كرامته ‏{‏قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ‏.‏ لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين‏}‏ ‏{‏فإلهكم إله واحد فله أسلموا‏}‏ ‏.‏ هكذا جاء كتاب الله تعالى وتلته سنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، بتحقيق التوحيد وإخلاصه وتخليصه من كل شائبة وسد كل طريق يمكن أن يوصل إلى ثلم هذا التوحيد أو إضعافه حتى إن رجلاً قال للنبي، صلى الله عليه وسلم، ‏:‏ ‏"‏ما شاء الله وشئت‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أجعلتني لله نداً بل ما شاء الله ‏؟‏وحده‏"‏ فأنكر النبي، صلى الله عليه وسلم، على هذا الرجل أن يقرن مشيئته بمشيئة الله تعالى بحرف يقتضي التسوية بينهما وجعل ذلك من اتخاذ الند الله عز وجل واتخاذ الند لله تعالى إشراك به وحرم النبي، صلى الله عليه وسلم أن يحلف الرجل بغير الله وجعل ذلك من الشرك بالله فقال، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك‏"‏ وذلك لأن الحلف بغير الله تعظيم للمحلوف به بما لا يستحقه إلا الله عز وجل فلا يجوز للمسلم أن يقول عند الحلف ‏:‏ والنبي أو وحياة النبي أو وحياتك أو وحياة فلان بل يحلف بالله وحده أو يصمت عند الحلف ولما سئل، صلى الله عليه وسلم عن الرجل يلقى أخاه فيسلم عليه أينحني له‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"‏لا‏"‏ فمنع صلى الله

عليه وسلم من الانحناء عند التسليم لأن ذلك خضوع لا ينبغي إلا لله رب العالمين فهو سبحانه وحده الذي يركع له ويسجد وكان السجود عند التحية جائزاً في بعض الشرائع السابقة ولكن هذه الشريعة الكاملة شريعة محمد، صلى الله عليه وسلم منعت منه وحرمته إلا لله وحده‏.‏

وفي الحديث أن معاذ بن جبل رضي الله عنه قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفتهم ‏(‏زعمائهم‏)‏ وذلك قبل أن يسلموا فلما رجع معاذ سجد للنبي، صلى الله عليه وسلم فقال النبي، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ما هذا يا معاذ‏"‏‏؟‏ فقال‏:‏ رأيتهم يسجدون لأساقفتهم وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله يعني أحق من أساقفتهم بالسجود فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها‏"‏ من عظم حقه عليها‏.‏ وروى النسائي بسند جيد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن ناساً جاؤوا إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقالوا‏:‏ يا رسول الله يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا فقال ‏:‏ ‏"‏يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل‏"‏، ولقد بلغ من سد النبي، صلى الله عليه وسلم ذرائع الشرك ووسائله أن لا يترك في بيته صورة شيء يعبد من دون الله تعالى أو يعظم تعظيم عبادة ‏.‏ ففي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت ‏:‏ لم يكن النبي صلى الله

عليه وسلم يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه والتصاليب هي الصلبان التي يتخذها النصارى شعاراً لدينهم أو يعبدونها والصليب كل ما كان على شكل خطين متقاطعين هكذا عرفه صاحب المنجد ومعناه أن يكون على شكل خط مستقيم رأسه إلى فوق يعترضه خط رأسه إلى الجانب سواء كان هذا الخط المعترض في وسط الخط المستقيم أو فوق وسطه، يزعم النصارى أن المسيح ابن مريم عليه الصلاة والسلام صلب عليه بعد أن قتل وقد قال الله تعالى في القرآن مكذباً من زعموا أنهم قتلوه‏:‏ ‏{‏ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وما قتلوه يقيناً ‏.‏ بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً‏}‏ فكان النصارى يقدسون الصليب يضعونه فوق محاريبهم ويتقلدونه في أعناقهم فكان من هدي النبي، صلى الله عليه وسلم إزالة كل ما فيه تصاليب حماية لجانب التوحيد وإبعاداً عن مشابهة غير المسلمين ولقد كانت بلادنا هذه ولله الحمد من أعظم البلاد الإسلامية محافظة على توحيد الله تعالى ومتابعة رسوله، صلى الله عليه وسلم بما من الله عليها من علماء مبينين وولاة منفذين وصارت عند أعداء الإسلام قلعة الإسلام فغزوها من كل جانب بكل شكل من أشكال الغزو حتى كثرت الفتن فيها وصارت صور الصلبان على بعض الألعاب للأطفال بل وعلى الفرش لتكون نصب أعين المسلمين صبيانهم وكبارهم فلا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏ اللهم احفظ لهذه الأمة دينها وقها شر أعدائها وأيقظ القلوب من الغفلة عما يراد بنا يا رب العالمين إنك جواد كريم ‏.‏ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏الخ‏.‏

خطبة في خلق السموات والأرض

الحمد لله الذي رفع السموات بغير عماد ووضع الأرض وهيأها للعباد وجعلها مقرهم أحياء وأمواتاً فمنها خلقهم وفيها يعيدهم ومنها يخرجهم تارة أخرى يوم المعاد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا مضاد وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل العباد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً‏.‏

أما بعد‏:‏ أيها الناس اتقوا الله وأطيعوه وصدقوا بما أخبركم به واعتقدوه وارفضوا ما خالف كتابه وسنة نبيه من أقوال الناس وردوه لأن ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل زور وبهتان وما وافق الكتاب والسنة فهو حق ثابت لقيام الحجة والبرهان واعلموا أن الله سبحانه لم يشهد أحداً خلق السموات والأرض فلا علم عند أحد في ذلك إلا ما جاء عن طريق الوحي ‏{‏ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضداً‏}‏ فكل من تكلم عن خلق السموات والأرض من أي مادة هو وكيف وقع ومتى وقع كل من تكلم بذلك من غير طريق الوحي فإنما يتكلم على أمر نظري وقياس ظني قد يصيب وقد يخطئ وقد يرفض وقد يغير إذ ليس أحد من البشر شاهد كيف خلق السموات والأرض هذه هي الحقيقة الثابتة وعلى هذا فالاعتماد في ذلك على ما جاء

في كتاب الله أو صح عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم ‏.‏

أيها المسلمون لقد خلق الله السموات والأرض في ستة أيام فجعل السموات سبعاً والأرضين سبعاً جعل الله السموات سبعاً طباقاً بعضها فوق بعض ‏{‏ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقاً‏}‏ وبناها بناء محكماً قوياً شديداً ‏{‏أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج‏}‏{‏والسماء بنيناها بأيد‏}‏ ‏(‏يعني بقوة‏)‏ ‏{‏وإنا لموسعون‏}‏ ‏{‏وبنينا فوقكم سبعاً شداداً‏}‏ أي قوية محكمة، جعل الله بين كل واحدة والأخرى مسافة فكان جبريل يعرج بالنبي، صلى الله عليه وسلم، من سماء إلى سماء حتى بلغ السابعة ‏.‏ رفعها الله رفعاً عظيماً ‏{‏والسماء رفعها‏}‏ ‏{‏أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها ‏.‏ رفع سمكها فسواها‏}‏ رفعها سبحانه بغير عمد وأمسكها بقوته ‏{‏ الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها‏}‏ ‏{‏ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم‏}‏ جعلها الله سقفاً للأرض محفوظاً من الشياطين ‏{‏ وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً‏}‏ ‏{‏ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيناها للناظرين ‏.‏ وحفظناها من كل شيطان رجيم ‏.‏ إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين‏}‏ جعل لها أبواباً لا تفتح إلا بإذنه ‏{‏إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء‏}‏ وفي يوم القيامة يطوي الله هذه السموات بيمينه ‏{‏يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا

فاعلين‏}‏ ‏{‏وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون‏}‏ ‏.‏

أيها المسلمون‏:‏ إن هذه الآيات الكريمة العظيمة لتدل دلالة قاطعة لا تقبل الشك ولا الجدال على أن السموات السبع أجرام محسوسة رفيعة قوية محكمة محفوظة لا يستطيع أحد دخولها ولا اختراقها إلا بإذن الله عز وجل ألم تعلموا أن محمداً، صلى الله عليه وسلم، أشرف البشر وجبريل أشرف الملائكة ما دخلا السموات حين عروجهما إلا بالإذن والاستفتاح فكيف بغيرهما من المخلوقين‏؟‏‏!‏ ‏.‏

أيها الناس‏:‏ أفبعد هذا يمكن لمؤمن أن يقول ‏:‏ إن السموات هي المجرات أو هي الغلاف الجوي للأرض أو يقول ‏:‏ إن ما نشاهده فضاء لا نهاية له إن من يقول ذلك فهو إما جاهل بوحي الله وإما مكذب به مستكبر عنه مشاق الله ورسوله ‏{‏ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب‏}‏ ‏{‏ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً‏}‏ إن إنكار السموات أو التكذيب بها أو بأنها ذات بناء وإحكام تكذيب لله وكفر به سواء قالها قائل أو صدق من يقولها‏.‏

أما الأرض فإنها سبع أرضين في ظاهر كلام الله تعالى وصريح سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى‏:‏

‏{‏الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن‏}‏ وهذه المثلية تقتضي المساواة في كل ما تمكن فيه فالأرض مثل السموات في العدد‏.‏ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏اللهم رب السموات السبع وما أظللن والأرضين السبع وما أقللن‏"‏ ‏(‏رواه النسائي‏)‏ والأرض مثل السموات في التطابق فإذا كانت السموات سبعاً طباقاً فكذلك الأرض مثلهن يقول النبي، صلى الله عليه وسلم،‏:‏ ‏"‏من أخذ شبراً من الأرض ظلماً فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين‏"‏ ‏(‏رواه البخاري‏)‏ ‏.‏ وقال أيضاً ‏:‏ ‏"‏من اقتطع شبراً من الأرض بغير حقه طوقه إلى سبع أرضين‏"‏ ‏(‏تفرد به أحمد وهو على شرط مسلم‏)‏ ‏.‏ والغاية تدل على أن كل أرض تحت الأرض وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً‏.‏

لقد خلق الله هذه السموات وهذه الأرضين وقدر فيهن ما قدر من عجائب مخلوقاته وأسرار مبدعاته وفصل لنا ما فصل منها في سورة فصلت حيث قال‏:‏ ‏{‏قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين ‏.‏ وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ‏.‏ ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ‏.‏ فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم‏}‏ ‏.‏ وحجب عن عباده كثيراً من ذلك فلا يحل لأحد أن يثبت شيئاً من أسرار

الكون إلا بدليل منقول أو محسوس أما مجرد النظريات التي قد تتغير وتتبدل فلا يمكن الاعتماد عليها وأشد من ذلك وأدهى أن يحرف من أجلها كتاب الله وسنة رسوله فينزل على الآراء والنظريات القابلة للنقض والإفساد ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار‏.‏

وفقني الله وإياكم لفهم كتابه والعمل به وجنبنا الزيغ والزلل في القول والعمل أقول قولي هذا ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ الخ‏.‏

خطبة في حقيقة الإيمان وعلاماته

الحمد لله الذي يقضي بالحق ويحكم بالعدل ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم يقدر الأمور بحكمة ويحكم بالشرائع لحكمة وهو الحكيم العليم أرسل الرسل مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وليقوم الناس بالقسط ويؤتوا كل ذي حق حقه من غير غلو ولا تقصير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً ‏.‏

أما بعد‏:‏ أيها الناس اتقوا الله تعالى وانصروا الله ينصركم وأطيعوه يثبكم ‏{‏ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز‏.‏ الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور‏}‏ ‏.‏

أيها الناس‏:‏ إن الإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي ولكن الإيمان ما وقر في القلب ورسخ فيه وصدقته الأعمال بفعل الطاعات واجتناب المعاصي ‏.‏ إن كل واحد يستطيع أن يقول ‏:‏ إنه مسلم بل يرتقي إلى أعلى ويقول ‏:‏ إنه مؤمن كل واحد يستطيع أن يقول ‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ‏.‏ المنافقون يأتون إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ويقولون ‏:‏ نشهد إنك لرسول الله ‏.‏ المنافقون يحلفون للنبي، صلى الله عليه وسلم

وأصحابه إنهم لمنهم وما هم منهم ولكن كل هذه الشهادات والأيمان لم تنفعهم فهم في الدرك الأسفل من النار تحت كل مشرك وكل دهري وكل يهودي وكل نصراني لأن هذه الشهادات والأيمان لم تصدر عن يقين وإيمان ولا عن قبول وإذعان ‏{‏ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين‏}‏ فالإيمان عقيدة راسخة قبل كل شيء تنتج قولاً سديداً وعملاً صالحاً تنتج الحب لله ورسوله والإخلاص في توحيد الله واتباع رسوله، صلى الله عليه وسلم جد وعمل ومثابرة ومصابرة وحبس للنفس على ما تكره من طاعة الله ومنع لها عما تحب من معصية الله‏.‏ إن للإيمان علامات كثيرة ذكرها الله في كتابه وذكرها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في سنته نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون ‏.‏ الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ‏.‏ أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم‏}‏ ونذكر أيضاً قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون ‏.‏ وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ‏.‏ أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون‏}‏ ‏.‏

فبالله عليكم أيها المسلمون من منا بهذه المثابة، من منا إذا

ذكر الله وجل قلبه خوفاً من الله وتعظيماً له، من منا إذا تليت عليهم آيات ربهم زادتهم إيماناً واستبشروا بها لما يجدون في نفوسهم من حلاوة التصديق بها والامتثال لأحكامها، من منا قام بتحقيق التوكل على الله والاعتماد عليه وعدم التعلق بالمخلوقين، من منا أقام الصلاة على الوجه المطلوب بالمحافظة عليها وإتقان حدودها، من منا قام بالإنفاق مما رزقه الله من بذل زكاة وسد حاجة الأهل والأقارب والمعوزين‏؟‏

لنفكر أيها الناس في حال المسلمين إننا إذا فكرنا في حال المسلمين اليوم لا في هذه الجزيرة فحسب ولكن في جميع البلاد الإسلامية نجد مسلمين بلا إسلام ومؤمنين بلا إيمان إلا أن يشاء الله نجد ذلك من القمة إلى من لا يجد اللقمة الكل مقصر والكل غير قائم بما يجب عليه من حقوق لله تعالى أو لعباد الله‏.‏ إننا نجد في الأمة الإسلامية تقصيراً في الإيمان واليقين ونجد تقصيراً في الأخلاق الفاضلة وحمايتها ونجد تقصيراً في الأعمال ‏.‏ إننا نجد تقصيراً في الإيمان واليقين لأننا نجد بعض الناس ولا سيما بعض من عاش فترة في بلاد الكفر ونهل من صديد أفكارهم الملوثة وثقافتهم المزيفة نجد في هؤلاء من في قلوبهم شك وريب فيما أخبر الله به ورسوله من أمور الغيب تجدهم في شك من وجود الملائكة وفي شك من وجود الجن وفي شك من صحة رسالة محمد، صلى الله عليه وسلم بل بعضهم في شك من وجود الله تعالى وجود خالقه سبحان الله ‏!‏‏!‏ يشك في وجود

خالقه ولا يشك في وجود نفسه إن كل من شك في وجود الله يجب أن يشك في وجود نفسه أولاً لأنه لم يخلقه أحد سوى الله عز وجل ‏.‏ نجد من المسلمين اليوم من إذا ذكر الله عنده لم يتحرك قلبه أبداً ولا كأن شيئاً ذكر عنده فضلاً عن أن يوجل قلبه‏.‏ نجد من المسلمين اليوم من إذا تليت عليهم آيات الله لم يزدادوا إيماناً بل يزدادون رجساً إلى رجسهم فيسخرون بها ويستكبرون عن أحكامها ‏.‏ نجد من المسلمين اليوم من لا يتوكلون على الله تعالى وإنما يعتمدون على الأسباب المادية المحضة اعتماداً كلياً ولهذا تجدهم لا يسيرون في طلب رزقهم على شريعة الله ظناً منهم أن الأخذ بالطرق الشرعية يضيق موارد الرزق فلذلك نجدهم يسعون لتحصيل الرزق بكل وسيلة حلالاً كانت أم حراماً ‏.‏ وتجد من المسلمين اليوم من اعتمد على أعداء الله في أمنه وسلامه حتى آل الأمر بهم إلى أن أطاعوهم في بعض الأمور المخالفة لشريعة الله تعالى والله يقول‏:‏ ‏{‏إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعدما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ‏.‏ ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم ‏.‏ فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ‏.‏ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم‏}‏ نجد هؤلاء الذين أطاعوا هؤلاء الأعداء في بعض الأمور المخالفة للشريعة إنما سلكوا هذا المسلك المنحرف لضعف توكلهم على الله وقوة اعتمادهم على

غيره‏.‏ انبهروا من قوة هؤلاء الأعداء المادية فظنوا أن كل شيء بأيديهم ونسوا أن الذي خلق هؤلاء هو أشد منهم قوة وأن قوة هؤلاء المبهورين لو أرادوها وجدوها في التوكل على الله تعالى والأخذ بأسباب نصره من تطبيق دينه والتزام شريعته في أنفسهم وفيمن ولاهم عليه لأنهم إذا فعلوا ذلك كان الله معهم ومن كان الله معه فلن يغلب ‏{‏وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً‏}‏ نجد من المسلمين اليوم من لا يقيمون الصلاة ولا يحافظون عليها فلا يصلون مع الجماعة ولا يأتون بشروطها وأركانها وواجباتها فلا يبالون بالطهارة أتقنوها أم فرطوا فيها ولا يصلون في الوقت ولا يطمئنون في القيام والقعود والركوع والسجود لا بل من الناس الذين قالوا ‏:‏ إنهم مسلمون من لا يصلي بل من يسخر ويستهزئ بمن يصلي ‏.‏ نجد من المسلمين من هو جماع مناع لا ينفق مما رزقه الله فلا زكاة ولا صدقة ولا إنفاق كاملاً على من يجب عليه الإنفاق عليه ومع ذلك تجده يبذل الكثير من ماله فيما لا ينفعه بل فيما حرم الله عليه أحياناً‏.‏

إن المسلمين اليوم في حال يرثى لها والشكوى إلى الله تضييع لفرائض الله وتعد لحدود الله وتهاون في شريعة الله ونسيان لذكره وأمن من مكره واعتناء بما خلق لهم وغفلة عما خلقوا له ولهذا سلط عليهم الأعداء فاستذلوهم واستهانوا بهم وتلاعبوا بهم سياسياً واقتصادياً حتى صاروا كالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

اللهم إنا نسألك في مقامنا هذا وفي انتظار فريضة من فرائضك التي مننت بفرضها علينا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ‏.‏ ولم يكن له كفواً أحد يا منان يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم نسألك أن تحبب إلينا الإيمان وتزينه في قلوبنا وترسخه فيها وأن تكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان وتباعدها عنا وأن تهيئ للأمة الإسلامية من أمرها رشداً ولاة صالحين يقضون بالحق وبه يعدلون لا يخافون في الله لومة لائم لا يحابون قريباً لقربه ولا قوياً لقوته وأن تحفظ علينا ديننا وتثبتنا عليه إلى الممات إنك جواد كريم ‏.‏

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ الخ‏.‏

تم بحمد الله- تعالى - المجلد السادس

ويليه بمشيئة الله -عز وجل المجلد السابع